لغة يفهمها العالم
بقلم
علي بن نصيب
لم تحظ تونس قبل التغيير بإشعاع عالمي أهلها رغم
مساحتها الجغرافيا الصغيرة ومواردها الطبيعية القليلة لتكون دولة
مبادرات ومساهمة في بناء «البلدة الكونية المتحدة» التي حلم بها
مفكرو الإصلاح منذ القرن التاسع عشر.
فقد كانت تونس قبيل تحول السابع من نوفمبر دولة
في طور الاحتضار والتآكل تتجاذبها التناقضات والمشاكل والصراعات
التي شغلت الشقيق والصديق، القريب والبعيد بوضعيتها المتردية.
السير نحو المجهول كان شعار مرحلة طبعها الخوف
والقلق والتوجس من سقوط دولة كانت تحمل بعد استقلالها أملا في أن
تكون نموذجا للحداثة والاستقرار.
بعد 20 سنة من التغيير المتواصل لا يجد الملاحظ
عناء ليدرك كيف تغيرت الصورة. وكيف تغيرت النظرة الخارجية
لبلادنا وكيف اكتسبت تونس الاحترام والتقدير والتعويل على دورها
في رفع رهانات الاستقرار والتنمية والحوار بين الثقافات
والحضارات.
لم تعد أخبار تونس مقترنة بالتحاليل السوداوية
وعن المخاطر المحدقة بالبلاد.
لم تعد أخبار تونس مقترنة بوضعية التأزم
الاجتماعي والانهيار الاقتصادي.
لم تعد أخبار تونس مقترنة بصراعات الخلافات
وتجاذبات السلطة وتفتت هيبة الدولة وضعفها ووهنها.
تونس «المريضة» قبل 20 سنة أصبحت اليوم «تونس
المشعة» «تونس المستقرة» «تونس التي تخاطب العالم بلغة يفهمها
ويتفاعل معها ويتأثر بها ويستجيب لمبادراتها ودعواتها ويعتبر
مضامينها الحضارية دستورا للتضامن الإنساني وآلية لتجسيمه
وتفعيله.
من تنبيه الرئيس بن علي لخطورة الإرهاب والتطرف
إلى تلبية دعوته لعقد مؤتمر دولي حول الإرهاب من اعتماد التضامن
مفهوما أساسيا للتنمية الإنسانية في مؤتمر كوبنهاجن سنة 1995
سنتين بعد تأسيس الصندوق الوطني للتضامن إلى مصادقة الأمم
المتحدة على إحداث الصندوق العالمي للتضامن.
من تبني دعوة الرئيس بن علي إلى عقد قمة عالمية
حول مجتمع المعرفة إلى تكريم بلادنا باختيارها لاحتضان مرحلتها
الثانية سنة 2005.
من تصنيفها في أولى مراتب التنمية والاستقرار
والتنافسية من طرف اكبر المؤسسات الدولية إلى اعتبارها معجزة
تنموية ونموذجا للقدرة على مواكبة العولمة والتفاعل مع متغيراته.
من إمضائها أول اتفاقية شراكة مع الاتحاد
الأوروبي إلى مبادرتها برفع الحواجز الجمركية كأول دولة في الضفة
الجنوبية للمتوسط تدخل هذه المرحلة المتقدمة في الشراكة في
انتظار خطوات أخرى ورهانات أخرى على دورها المتوسطي.
من التقدير الاممي لسجلها الحقوقي الناصع بعد عرض
ملفها أمام اللجنة الأممية المختصة إلى تنويه الرئيس الفرنسي
ساركوزي خلال زيارته الناجحة لبلادنا بتجربتها ونجاحها في أن
تكون منارة للحداثة والتلاقح بين الحضارات والثقافات والانفتاح
على المعاصرة والاندماج في مساراتها.
من دفاعها عن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية
الشعب الفلسطيني إلى دعواتها المتكررة لمواجهة كل أشكال التهميش
وتجفيف بؤر الاحتقان والتوتر باعتبارهما من المصادر الأساسية
للتطرف والقطيعة والصراع الحضاري والثقافي في كل ذلك وأكثر كانت
تونس محل احترام وتقدير وإصغاء لمواقفها وتكريم لرئيسها وتثمين
لمشروعه المجتمعي إشعاع تونس في العالم مصدره الأساسي ومنطلقه
الواقع التونسي وقدرة بلادنا على تحويل انجازاتها ومكاسبها إلى
نماذج حضارية وتنموية واقعية برهنت التجارب والتحديات العسيرة
التي تعصف بالعولمة على صلابتها وسلامتها ونجاعتها.
نجاحات تونس ثمرة مشروع إصلاحي شامل متكامل.
نجاحات تونس ثمرة قيادة استشرافية استبقت
التحولات العالمية ووضعت لها الحلول والمقاربات التي تجعلها فرصة
للاندماج والنمو والتعاون.
نجاحات تونس ثمرة تواصل مستمر بين همّة القيادة
الحكيمة وتطلعات الشعب بكل فئاته وجهاته.
نجاحات تونس ثمرة فكر عقلاني يرفض الجمود رفضه
التسرع والقفز نحو المجهول، يرفض الرضا عن النفس رفضه جلد الذات
او الشعور بعقد نقص تجاه الآخر.
نجاحات تونس ثمرة لغة موضوعية ترفض الدمغجة
والشعارات الجوفاء تقرأ الواقع وتعبّر عن تفاعلاته بصدق وتجرد
وطموح وأمل .
نجاحات تونس ثمرة الإرادة الراسخة للتجديد
والتحديث والإصلاح بجرأة وعزيمة وشمولية .
نجاحات تونس ثمرة استثمار ذكي لمصادر قوتنا:
حضارتنا الممتدة لآلاف السنين شخصيتنا السمحة
التي ترفض التطرف والانغلاق والتحجر.
الرئيس بن علي حرر إرادة التونسي من الإحباط
واليأس والخوف من المستقبل وحرر الجمهورية والاستقلال من عوارض
الوهن والضعف.
الرئيس بن علي حرر العقل التونسي من الإشكاليات
المغلوطة والأسئلة المموهة وتناقضات الوعي بالحداثة. فوضع تونس
على طريق الحداثة والتواصل مع العالم طرفا فاعلا وشريكا أساسيا
في العولمة من موقع الإضافة والإبداع والاحترام المتبادل
والتعاون .
هذه بعض ملامح عبقرية المشروع الذي تحدث لغة
فهمها العالم هي لغة الوعد الصادق والانجاز المتواصل والإخلاص
للوطن والدفاع عن سيادته واستقلاليته ورفض كل إشكال المس بها.
هي لغة الواقعية والمصارحة والانفتاح والعقلانية
والاستشراف والثقة بالنفس والوضوح في رسم الأهداف المعقولة.
هي لغة الجرأة والمقاربات الشاملة والنظر الثاقب
المتبصر.
فهمها العالم فقدرها واستجاب لها فراهن على دورها
في بناء عالم متضامن امن مستقر تبقى فيه تونس نقطة إشعاع وجسرا
للتواصل بين الشمال والجنوب وافقا واعدا للتنمية والتضامن والأمن
والاستقرار.
إنها لغة الرئيس بن علي
إنها عبقرية الرئيس بن علي
جريدة الحرية. ملحق الفكر السياسي 13-05-2008