جريدة الحرية 7 نوفمبر 2008 

Imprimer

بناء ديمقراطي راسخ وإرادة متجددة لكسب تحديات

 التنمية السياسية المستديمة

 بقلم علي بن نصيب

 

      من يتأمل وضعية تونس قبل الخطوة التصحيحية التي أقدم عليها الرئيس بن علي في كنف الشرعية الدستورية والالتفاف الشعبي سيدرك دون عناء أن الأزمة السياسية الخانقة التي تردّت فيها البلاد بسبب استفحال صراعات الخلافة وضعف مؤسسات الدولة وانسداد أفق المشاركة كانت من العوامل التي غذت الأزمة الشاملة التي كادت تؤدي ببلادنا الى الهاوية.

    ليس غريبا في ظرفية عامة اتسمت بترهل الدولة واتساع الفجوة بين تطلعات الشعب ومشاغله والقرار السياسي أن تصاب حركة التنمية بما يشبه الشلل وأن ينعكس ذلك على كل وجوه الحياة في تونس، أزمة اجتماعية وحضارية واقتصادية...

    فقد فقد المواطن ثقته في مؤسساته واهتزت تونس في الخارج حتى بات مصيرها محلّ انشغال وتساؤلات وسيناريوهات تتوقع الأسوأ لدولة ينهشها الاحتقان الاجتماعي والسياسي وتعلو فيها أصوات التطرف والكراهية والحقد وتتسع فيها بؤر التوتر والحرمان في أقسى صورها.

    لم تكن الأزمة السياسية منفصلة عن الأزمات الأخرى، وهو ما حتم بالضرورة مقاربة شاملة لا مجال فيها لتجاهل أي بعد من أبعاد التنمية المستديمة.

    هل كان بالإمكان رفع رهان التنمية الاجتماعية واستئصال الفقر والحرمان دون اقتصاد قوي ومتوازن ؟

    وهل كان بالإمكان إرساء منوال تنموي يحظى بالثقة ويتمتع بالديمومة والاستقرار وسط أجواء الفوضى والعنف والاحتقان؟

    هل كان بالإمكان رفع هذه الرهانات دون دولة ترعى القانون وتمنع كل أشكال الظلم والحيف واستغلال النفوذ؟

    وهل يكون كل ذلك متيسرا في غياب مصالحة ضعيفة مع التونسيين تفتح لهم أبواب المشاركة والاندماج دون إقصاء أو تهميش؟

 1)الرؤية الواضحة: الرئيس بن علي ومقتضيات اخراج البلاد من عنق الزجاجة

    لقد كان تغيير السابع من نوفمبر رؤية حضارية شاملة ومقاربة إصلاحية جذرية تميزت بالواقعية والشجاعة والجدية والقدرة على بلورة الحلول الناجعة التي تضمن التغيير في كنف الاستمرارية.

    فالخطوة التصحيحية التي أقدم عليها الرئيس بن علي في كنف الشرعية الدستورية والالتفاف الشعبي لم يكن هدفها تصفية حساب مع الماضي أو إقحام البلاد في دوامة جديدة من الصراعات وإنما معالجة الوضعية المتردية بشمولية بعد أن «أخفقت الحلول الجزئية والتلفيقية المرتجلة في معالجتها بل لم تزدها إلا تعقيدا فضلا عما ولدته من شعور باليأس والإحباط» (1).

    شمولية المقاربة هي المدخل الأساسي الذي منح الرئيس بن علي القدرة الفائقة على اقناع التونسيين بأن ما حدث يوم 7 نوفمبر 1987 كان بالفعل ولادة جديدة لتونس وعهدا جديدا انتظره التونسيون ليخرج البلاد من عنق الزجاجة. كانت رؤية الرئيس بن علي واضحة لمستقبل تونس ولما يتوفر لها من إمكانيات هائلة لاستعادة موقعها وعافيتها ومناعتها.

    لم تكن المسألة بحثا عن حلول وقتية وإنما إرساء بناء تنموي شامل يستند الى قاعدة إصلاحية متينة تتلازم فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية... ندرك من هذا المنطلق جرأة الرئيس بن علي في فتح كل الملفات الشائكة ومعالجة كل وضعيات الاحتقان وبؤر التوتر بنظرة أثبتت الأيام بعد هبوب رياح ما بعد سقوط جدار برلين وظهور العولمة نجاعتها وقدرتها على الاستشراف الجيد والتخطيط الاستراتيجي.

    لقد انساقت تجارب عديدة مرت بصعوبات مثل بلادنا وراء خيارات التنمية الاقتصادية سريعة الإيقاع أو التنمية السياسية بما بات يعرف لاحقا بـ»ديمقراطية» الطفرات ولكن النتيجة واحدة وهي الفشل والانهيار.

    فلا ديمقراطية مع الفقر والحرمان والتهميش، ولا تنمية مستديمة وسط الفوضى والعنف ودون مشاركة واسعة، لا معنى للديمقراطية حتى تتحول الى شعار سياسي وشكل مفرغ من المعنى الذي يلمس المواطن ثماره في واقعه، كما لا معنى للتنمية إن لم تكن عادلة في إتاحة الفرص المتساوية للانتفاع بثمارها في كنف الرقي والرفاه والتقدم.

    يوضح الرئيس بن علي هذا المعنى منذ فجر التغيير: «إن ما عملنا على تحقيقه من مصالحة وطنية وبعث الثقة والاطمئنان ووضع البلاد في مسار الديمقراطية والتعددية، ليس هدفا في حدّ ذاته بقدر ما هو شرط لتوفير الظروف الملائمة لمعالجة مختلف القضايا الوطنية وخاصة قضية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما تنطوي عليه من تحديات وما تقتضيه من إصلاحات جوهرية» (2).

   

2) الإصلاح السياسي في تونس: من الوفاق الديمقراطي الى ديمقراطية الوفاق

    لم يكن مسار الإصلاح السياسي في تونس بمعزل عن بقية المسارات، والناظر في ما اتخذه الرئيس زين العابدين بن علي من إجراءات في هذا المجال يدرك أن التنمية السياسية في تونس كانت بوجه من الوجوه القاطرة التي قادت بلادنا الى شاطئ الأمان وسط حالة وفاقية بلغ فيها الإجماع على مشروع التغيير درجة أهلت بلادنا لتحرر بسرعة من تركة الماضي ورواسبه.

    لم يكن إجماع كل العائلات السياسية والفكرية والأطراف التي تعرضت للقمع والاضطهاد قبل الإنقاذ على مباركة العهد الجديد سوى استجابة طبيعية لرغبة صادقة أعلن عنها بيان السابع من نوفمبر في التغيير وإعادة الاعتبار للنظام الجمهوري الذي يفقد معناه في غياب الديمقراطية والتعددية والمشاركة.

 2)1 - إعـــادة الاعتبـــار للنظام الجمهوري :

    إن النظام الجمهوري من المقومات الأساسية للحداثة وتأهيل البلاد لطيّ صفحة الاستعمار البغيض، فقد كان إعلان الجمهورية معبرا عن وعي بناة الدولة بأن الاستقلال لا يكتمل إلا بزوال أسباب انتصاب الحماية ومنها النظام السياسي الذي حكم البلاد قرونا عديدة وحكم عليها بالتخلف والجمود وحرمان الشعب من حقّه في المشاركة.

    المواطنة في النظام الجمهوري هي عنوان الحرية والكرامة والمساواة وهي بذلك مخزن القيم الذي يدفع في اتجاه بناء مجتمع عصري لا تحكمه العادات البالية والتقاليد المنغلقة.

    لا غرابة إذن أن يتنزّل إعلان الجمهورية كنظام سياسي في سياق بروز أنظمة اجتماعية وثقافية جديدة حداثية التوجه اجتهادية المنزع على غرار مجلة الأحوال الشخصية وتوحيد القضاء والتعليم... «إن إرساء النظام الجمهوري وانجاز المشروع الثقافي التحديثي جعلا من تونس بلدا عصريا حريّا بأن يواصل مساره بثبات على درب التقدم والبناء. إلا أنه تم الزيغ بالنظام الجمهوري بإعلان الرئاسة مدى الحياة وإقرار الخلافة الآلية التي لا دخل للشعب فيها.

    وبذلك مرت البلاد بمرحلة من عدم الاستقرار هددت مكاسب الجمهورية ومنجزاتها بالتراجع والتلاشي» (3).

    إن وعي الرئيس بن علي بضرورة إنقاذ الجمهورية وإعادة الاعتبار لها وإحياء قيمها نابع من إدراك عميق لخصوصية نظامنا الجمهوري ولما حققه من مكاسب ضمنت لتونس القدرة على بناء دولة الاستقلال وإعطائها المضمون الحداثي الذي أهلها لتحويل خروج المستعمر الى معركة حضارية شاملة ضدّ بواعث التخلف والضعف والوهن.

    الرئيس بن علي ابن بار للجمهورية ونظامها الذي تحوّل الى حصن ضدّ الظلامية والتطرف ومرجعية عليا للقانون والمؤسسات.

     فإرساء النظام الجمهوري عند الرئيس بن علي «جسّم معاني المواطنة بالنسبة الى كل تونسي وتونسية وجعل من الشعب المرجع والفيصل في تصريف شؤون الوطن وفي مقدمتها الانتخاب الحرّ المباشر لمن يتولى شؤونه ولمن يمثلونه في السلطة التشريعية والمجالس البلدية» (4).

    وهو ما هيّأ الأرضية لبناء منظومة تحديثية تستمد جذورها من الفكر الإصلاحي الذي وجد امتداده الحقيقي في مشروع التغيير.

    إعادة الاعتبار للجمهورية تجلت أولا في مفهوم التغيير في كنف الاستمرارية، فقد رفض الرئيس بن علي إعلان جمهورية ثانية لأن الإصلاح لا يكون بالنفي والهدم والعدمية وإنما بالتراكم والتواصل والاستمرارية البناءة.

    وتجلت ثانيا في التأكيد في كل مناسبة على القيم الجمهورية وإبرازها والعمل على نشر الثقافة الجمهورية في كل الأوساط وخاصة من الشباب.

    وتجلت ثالثا في كل الإجراءات التي أقرها الرئيس بن علي لتدعيم البناء الجمهوري وإزالة كل مظاهر الوهن والزيغ التي علقت به فالتغيير مشروع حضاري أراده الرئيس بن علي «تواصلا وتطويرا وتحديثا وازدهارا ورفضنا فكرة إرساء الجمهورية الثانية لمجرد تقليد الغير وقد أوفينا بما تعهدنا به من إصلاحات في بيان السابع من نوفمبر وكان في طليعتها إعادة الاعتبار للنظام الجمهوري وقيمه بوضع حدّ للرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية لرئيس الجمهورية. وتتالت الإصلاحات الدستورية لدعم النظام الجمهوري وترسيخ سيادة الشعب وتعددت المبادرات في هذا السياق» (5) مبادرات عديدة شملت توسيع مجال الاستفتاء التشريعي وضمان التمثيل الأوسع للجهات ومختلف مكونات المجتمع بإحداث مجلس المستشارين وتكريس علوية الدستور بإحداث المجلس الدستوري وإضفاء الصبغة الإلزامية على آرائه، وتعزيز منظومة الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، وضمان المشاركة التعددية وتدعيم الحياة الحزبية... وهو ما أعطى النظام الجمهوري نفسا جديدا أعطى بلادنا القدرة على استكمال بناءها المؤسساتي وترسيخ قيمه ودعائمه التي لا تقوم بغيرها رؤية إصلاحية أو تنمية مستديمة.

 2) 2 - من المصالحة الى الوفــاق :

    إن من مظاهر الأزمة التي استفحلت قبل الإنقاذ غياب الرؤية الوفاقية نتيجة حالة الاحتقان التي غذتها الصراعات وعمقها غياب النفس التعددي في البلاد.

    فليس غريبا أن تصبح محاكمات الرأي ومصادرة حرية الصحافة وتعطيل التجربة التعددية الوليدة بكل السبل واستهداف الرأي المخالف العملة المتداولة في مرحلة لم تخلف تداعياتها سوى التشجيع على العنف والفرقة، «لقد عانى المشهد السياسي في عقدي السبعينات والثمانينات من ضعف التحاور والانغلاق على معتقدات ومسلمات... عشنا صراعات في ساحات الجامعة... بأشكال خطيرة من العنف، عاشت الشوارع فتنا وتصادمات، أصبحنا نبحث عن من نحن؟ ما هي هويتنا؟ مع من يكون مستقبلنا؟ مع من نسير؟ في أية «عالمية» ننخرط؟ غابت تونس وانتصرت لغة الانتماءات.

    هذا الوضع لم يكن يهيئ للديمقراطية كان من اللازم من البداية التأسيس لوفاق وهذا ما بادر به الرئيس بن علي منذ الأشهر الأولى للتغيير» (6).

    إن الوفاق هو الحد الأدنى للتفاهم الذي يمنح الاجتماع البشري إمكانية التحقق وهو شرط أي بناء ديمقراطي تعددي قائم على الحوار.

    لذلك فتح الرئيس بن علي عهدا جديدا من المصالحة بين التونسيين بنظرة ايجابية بناءة وضمن أطر واضحة لا مجال فيها للخروج عن الإجماع الوطني أو تعريضه لمخاطر الانتكاس والتراجع.

    الوفاق عند الرئيس بن علي استند الى إرادة جدية راسخة وانفتاح على كل القوى التي تعرضت للظلم والإقصاء والتهميش. كان وفاقا من أجل مصالحة بين الدولة والمجتمع ومن أجل إرساء تقاليد الحوار والتسامح وتكريس الديمقراطية في المجتمع وتوفير الإطار القانوني للتعامل الحضاري بين الأفراد والمجموعات كتعديل الدستور وبين قانون الأحزاب ومراجعة قانون الصحافة وإلغاء محكمة أمن الدولة وخطة الوكيل العام للجمهورية وإصدار عفو عن صحافة الأحزاب والترخيص لأحزاب معارضة جديدة وإعادة الاعتبار للمنظمة الشغيلة...

    وكان أيضا وفاقا أساسه استشعار كل طرف مسؤوليته إزاء الوطن، والرفض القاطع لاستغلال الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان لمآرب لا صلة لها بالمصلحة العامة، وانتهاج أسلوب التدرج في الانتقال الديمقراطي لتحصين التجربة من الانتكاس. الوفاق لم يلغ حق الاختلاف بل أعطاه المجال الرحب ليأخذ بعده الحقيقي وهو المشاركة التي تبرز تنوع المجتمع وتتيح لكل الحساسيات التعبير والتنظيم في إطار القانون واحترام مقومات النظام الجمهوري.

    لقد أثمر الوفاق سياقا لنمو التجربة الديمقراطية في دولة خرجت لتوّها من طور الحزب الواحد الى رحاب التعددية، لم يكن الأمر بسيطا في ظلّ وجود أطراف لا تؤمن بالديمقراطية وتتخذها ستارا للوصول الى السلطة وإقامة مجتمع تتعارض ملامحه مع نظامنا الجمهوري.

    واجه الوفاق الذي أرساه الرئيس بن علي العنف والتطرف وانتصر عليهما ليفتح المجال لمرحلة جديدة في تاريخ تونس.

    مرحلة تميزت بظهور أول برلمان وأول انتخابات رئاسية تعددية وأول مجالس بلدية تعددية وصحافة حزبية نشطة لا تخشى القمع والمصادرة ومشهد إعلامي ديناميكي منفتح على كل الاتجاهات ومجتمع مدني ناشط ومشاركة واسعة للشباب والمرأة.

    مرحلة تميزت بترسخ مقومات الحكم الرشيد ومن أبرزها آليات مساءلة الحكومة في المؤسسات البرلمانية وضمان حيادية الإدارة ونزاهة القضاء وعلوية القانون.

   

2)3  - التجمع التزام بالخيار التعددي والوفاق الديمقراطي :

    إن المتعارف عليه هو أن الحديث عن دولة الحزب الواحد يعني ضمنيا هيمنة الحزب الحاكم على دواليب الدولة، وهي مسلمة لا تنطبق تماما على واقع الأمور. فالتجمع ـ الحزب الاشتراكي سابقا ـ كان من أكثر المتضررين من تلك المرحلة التي أفقدته إشعاعه وقدرته على التواصل مع الشعب والانفتاح على مشاغله. فقد انعكس عليه سلبا «ما اتسمت به الحياة السياسية قبل التحول من جمود وما اعترى الحياة الحزبية من تخلف وتردّ تجلت مظاهره كالآتي: تكريس التشخيص الذي أضعف مؤسسات الدولة وبنية الحزب في نفس الوقت، تشويه العمل السياسي بإضعاف الروح النضالية وتحويل التحزّب الى ذريعة للمنفعية والمصلحية الضيقة، الانفراد بالرأي (...) إقصاء الشباب والكفاءات (...) فقدان المصداقية والشعبية وتحنّط الخطاب (...) تشويه تاريخ الحزب...» (7).

    إنها عوامل ضعف أربكت أداء الحزب وجعلت دوره بعد التحول محلّ تساؤل عن قدرته على التكيّف مع المعطيات الجديدة ومع مسيرة التغيير.

    التاريخ أثبت صواب رهان الرئيس بن علي على حزبه وتجذر مناضليه في ثقافة الإصلاح وتاريخه العريق وإيمانهم بأن التغيير لم يكن إنقاذا لتونس فقط وإنما للتجمع أيضا. «لقد برهن التجمع الدستوري الديمقراطي على إدراكه العميق لأهمية دوره كحزب مضطلع بأمانة انجاز المشروع المجتمعي للتحول والذي يقوم أساسا على إقامة نظام ديمقراطي تعددي، فقطع مع عقلية الحزب الواحد وتخلى عن احتكار السلطة والنفوذ بأن كرّس فصل الدولة عن الحزب وهو ما مكّن من تجسيم التعددية في الهيئات المنتخبة والانتقال الى نظام حزب الأغلبية» (8).

    كما أثبت التجمع «قدرته على التفاعل مع التغيير بأن جدّد خطابه السياسي وجعل من التعددية خيارا استراتيجيا وليس مجرد شعار يرفع في الحملات الانتخابية» (9).

 3) الطموح الكبير والنفس الجديد: الرئيس بن علي خيار الحاضر والمستقبل

    قطعت تونس مع الرئيس بن علي أشواطا عديدة في مسيرة الإصلاح الشامل والإصلاح السياسي بالخصوص باعتباره من دعائمه وأركانه ومقتضياته.

    تونس اليوم دولة تعددية ذات مؤسسات تضمن تمثيلية مختلف القوى والتوجهات وذات نظام سياسي مستقر بعيد عن الهزّات والمشاكل التي تنجم عادة عن غياب روح الوفاق والالتزام التعددي الديمقراطي الحقيقي.

    فالتجربة الديمقراطية في تونس نابعة من خصوصيات مجتمعنا سائرة به في طريق الحداثة على النحو الذي يتلاءم مع قدرات البلاد وحاجياتها بعيدا عن القفز نحو المجهول.

    لقد حسمت تونس الإصلاح مشاغل العنف والتطرف وتسييس الدين وتوظيف مقومات الهوية وهي كما تتأمل في الخارطة المعاصرة من أهم بؤر التوتر التي عطلت الانتقال الديمقراطي في أماكن عديدة.

     نجحت تونس لأن الرئيس بن علي اختار لها نهج الإصلاح الشامل المتدرج في غير وهن أو ضعف أو تسرع واندفاع.

    الحرية في تونس اليوم مسؤولية ومشاركة وممارسة للمواطنة في معناها الحقيقي البعيد عن المهاترات الايديولوجية والوفاق الديمقراطي التقاء على قواسم مشتركة تضمن حقّ الاختلاف تحت سقف الوطن وبمراعاة مصلحته العليا.

    تونس بن علي التي رفعت بجدارة رهانات الإصلاح والمصالحة وتدعيم منظومة الحريات العامة والخاصة وتحقيق الانتقال السلس والتدريجي الى رحاب التعددية والتمثيلية الواسعة تتطلع اليوم الى نفس جديد لمسيرة التغيير في مواجهة تحديات التنمية السياسية المستديمة.

    ما أنجزه الرئيس بن علي منذ فجر السابع من نوفمبر جعل تونس بمنأى عن العواصف والرياح العاتية التي تهددّ أمن عالمنا واستقراره ولكن بلادنا وإن كانت محصنة فهي غير معزولة عن ظواهر «القلق العولمي» وتحدياته.

    من الطبيعي في مسيرة موفقة أن نتطلع الى مراحل جديدة محورها المشاركة الواسعة للشباب والمرأة ومزيد تفعيل دور المجتمع المدني وتدعيم وظيفة الأحزاب في تأطير المواطنين وإعطاء نجاعة أكبر للوفاق الديمقراطي وتدعيم حرية الإعلام وانفتاحه على شواغل المواطن ومشاغله.

    ومن الطبيعي أيضا أن ننظر الى عالمنا وما يعصف به من مشاكل لندرك متانة البناء الديمقراطي الذي أقامه الرئيس بن علي وقدرته على تحقيق المعادلة الصعبة بين الأمن والاستقرار والانخراط في مسارات المثاقفة الإصلاحية.

    على مشارف مرحلة جديدة اختار لها الرئيس بن علي شعار «التحدي» تبدو التنمية السياسية المستديمة ثمرة من ثمار رهانات ناجحة وأفقا لمسيرة متواصلة واكبت تطور مجتمعنا ودفعت ديناميكيته قدما في اتجاه ضمن لبلادنا موقعا متميزا في كوكبة الدول الصاعدة.

    إنه التغيير في كنف الاستمرارية والوفاق والإجماع على عبقرية القائد الذي عرف كيف يخرج تونس من عنق الزجاجة ويقودها نحو الأمان والاستقرار والتطور، إنه الطموح الكبير لمستقبل واعد تصنعه نجاحات الرئيس بن علي وخياراته الصائبة ونظرته الواضحة الثاقبة.

    إنه نفس جديد مع بطل التحدي وصانع الإنقاذ، إنه الرهان الذي لن يخيب.

 الـهوامش :

1) خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في الذكرى الأولى للتحول المبارك 7 نوفمبر 1988.

2) نفس المرجع.

3) خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الخمسين لاعلان الجمهورية، قرطاج في 25 جويلية 2007.

4) نفس المرجع.

5) نفس المرجع.

6) الصادق شعبان: من ديمقراطية المعتقدات الى ديمقراطية البرامج، البناء الديمقراطي في تونس، تونس الدار العربية للكتاب 20025 ـ ص65.

7) د. المنجي الزيدي: التجمع الدستوري الديمقراطي: التحولات التاريخية ورهانات التغيير، تونس، جريدة «الحرية»، ط1، 2008، ص ص 85-86.

8) د. زهير المظفر: من الحزب الواحد الى حزب الأغلبية (التجربة التونسية)، تونس 2004، ص164.

9) نفس المرجع.