![]() |
![]() |
![]() |
|||
|
المصدر: جريدة الصباح 20 ماي 2005 ص 9 |
|
||||
|
إيران والعرب والجزر الإماراتية من الأطماع الشاهنشاهية إلى تناقضات الثورة الخمينية
بقلم: علي بن نصيب كما في كل مرة يطرح فيها موضوع الجزر الإماراتية ينفتح جرح غائر لا يريد الاندمال هو علاقة إيران بعمقها الاستراتيجي العربي وبتحديد اكبر المتغير في نظرة إيران لحاجز الشعوبية الذي عشش قرونا في ثنايا وتعاطفات قرون من الصراع العرقي والديني والمذهبي بين بلاد فارس ومحيطها العربي. أيا ما كان تأويل الخطوة الإماراتية الاخيرة بإبقاء نزاعها مع الجمهورية الإيرانية على جزر "أبو موسى" والطنبين الكبرى والصغرى محفوظا في رفوف مجلس الأمن، أهي مجرد استجابة لمطلب شكلي أممي يقتضي تحيين الملفات النائمة أم هي استراتيجية إماراتية ذكية هادئة تبقي السيف مسلطا على رقاب الإيرانيين دون أن تعطي ذريعة لأحد للتدخل باسمها لتحرير الجزر٬ فان المشكل في عمقه ابعد غورا من مجرد الخلاف على بقعة من الأرض مهما بدت استراتيجية او حيوية لطرفي النزاع. فلا يخفى على احد أن شاه إيران جعل دورها كشرطي للخليج يحميه من الخطر الأحمر الزاحف من اليمن الجنوبي والعراق محورا من محاور سياسته الداخلية لتوثيق تحالفه مع الغرب. ولا يخفى على احد أن الثورة الإسلامية التي قادها الخميني كانت ثورة ضد ظلم الشاه وضد سياساته العدوانية وكل المغامرات الشاهنشاهية الهادفة إلى تكريس هيمنة غربية على الخليج بوكالة فارسية تحفظ أركان النظام المنهار. ولكن ما حصل هو العكس تماما وبقطع النظر عما تعرضت له الثورة من مؤامرات "خارجية" وإقليمية فقد انقلبت لا فقط على حلفائها من التيارات المعتدلة الدينية والعلمانية او على بعض رموزها مثل آية الله منتظري، وإنما على شعارها المركزي وهو الإحياء الديني بمعناه الشامل المنعتق من قيد القومية او المذهبية. حصيلة عقد ونيف من سياستها الخارجية وحتى الداخلية تجاه الأقليات العربية في إيران تؤكد أن استكمال احتلال الجزر الإماراتية الذي بدأه الشاه سنة 1971 ردّا على الصفعة القوية التي نالها بعد اختيار شعب البحرين الاستقلال، كانت مجرد مواصلة في الغالب لنفس التوجهات العدائية التي حسب الشاه بدقة ثمارها في تقوية تحالفه مع الغرب على حساب الشعب الإيراني، ولم تحسب الثورة خطورتها على أمنها القومي في تشابكه مع المعطيات الدينية والسياسية والاقتصادية في العالم العربي الإسلامي. وهي توجهات يعسر في تقديري التمييز فيها بين النواحي القومية والاعتقادية والسياسية سواء كانت صائبة أم خاطئة، وبين مقتضيات نشأة الثورات وما تفرزه في بدايتها من هزات ارتدادية ذاتية وموضوعية. فقد بقيت السياسة الخارجية الإيرانية مستندة إلى مجموعة من الثوابت الشاهنشاهية على غرار العزف على الوتر الطائفي وربط صلات مباشرة بين إيران والأقليات الشيعية في العالم الإسلامي او تحويل الحركات الإسلامية إلى خلايا يحركها الحرس الثوري الإسلامي إضافة إلى التمسك بنفس المطالب السيادية على شط العرب... وقد يقول قائل انه من حق إيران أن تطالب بحقها بحماية الأقليات الشيعية بما تراه أرضا لها دون أن يكون في مطالبة الشاه بها ما يعيب او يدين ولكن يضعف هذا الاحتجاج حين ننزله في سياق التعبئة الشاملة وغير المنطقية ضد كثير من الأنظمة العربية بدعوة معاقبتها على مساعدة العراق. ومع أن ملف الحرب العراقية الإيرانية من التعقيد والتداخل ما يتطلب أكثر من هذه الأسطر لتحليله فان في نتائج السياسة الإيرانية التي نجحت في تازيم علاقاتها بعد سنوات من سياسة تصدير الثورة لا مع الأنظمة فقط وإنما مع اغلب الحركات الأصولية الدينية السنية وحتى مع حركة طالبان، ما يدل على أن الثورة الإسلامية خسرت كثيرا بخسارتها ثقة العرب أنظمة ونخبا وشعوبا بالخصوص، وان إصرار إيران المباشر وغير المباشر على المواصلة على هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلتها عن عمقها الاستراتيجي العربي. فلا شك في أن رفضها التحكيم الدولي في موضوع الجزر واحتفاظها بخط متصلب ضد توجهات السلام رغم أنها لعبت في السابق كثيرا تحت الطاولة لحل أزمة الرهائن وفي فضيحة "إيران غيت" وتثاقل مؤسساتها المعرفية والعلمية في توثيق عرى التعاون الأكاديمي والنخبوي تحريكا لسواكن النقد الديني لا في إطار الرغبة التكتيكية في إزالة الأوهام العالقة بموقف السنة من الشيعة. وهو ما يستدعي مراجعة مشتركة صريحة وجدية ومعمقة لا سيما والطائفة الشيعية في لبنان والعراق تواجه مخاطر جمة في إدارة الصراع المفتوح مع السنة في ضوء توجه واضح في أمريكا لإشعال نار الفتنة الطائفية حتى يغطي دخانها انسحاب أمريكا الحتمي من المستنقع الشرق أوسطي. إن الثورة الإيرانية وأصبحت قادرة على تجاوز تناقضات حقبة حبلى بالمخاضات العسيرة، وهو ما قد يجعلها خاصة بعد عودة رفسنجاني متنبهة إلى أن العالم العربي هو عمقها الاستراتيجي الحقيقي وانه يحتاج منها خطوات هامة لتدعيم انفتاحها الثقافي والسياسي والاقتصادي المرتبط ببعض المواقف الرمزية مثل تغيير اسم شارع خالد الاسلامبولي قاتل الرئيس السادات والتراجع عن الإثارة السياسية في مواسم الحج وتنويع أنشطة التبادل الثقافي... ويبدو موضوع الجزر في هذا السياق مدخلا مناسبا للتعبير عن حسن نوايا إيران تجاه العرب وهي تدرك دون ريب أن حفنة من صواريخ "السيلك وورم" وكل ثروات الجزر تعني القليل مقابل استعادة إيران ثقلها الاستراتيجي في المنطقة. ولعل ما يدفع في هذا الاتجاه هو هدوء القيادة الإماراتية في التفاعل مع هذا الموضوع الذي يبقى أولا وأخيرا جزء من تركة الاستعمار الذي تصر بعض القوى في إيران على أن تحقق كثيرا من بنود أجندته في صيغة الكولونيالية الجديدة التي سكت منظروها عن احتلال إيران لكامل الجزر في التسعينات لأنهم أرادوا وقتها مكافأتها على موقفها المحايد من الحرب على العراق وان كان الغالب على الظن أنهم فعلوا ذلك من نفس المنطلق الذي دفعهم لتزيين احتلال الكويت لصدام وهو أنهم يعتبرون إيران لا الجزر الإماراتية أجندتهم الحقيقية؟ |
|||||
|
|
|||||