![]() |
![]() |
![]() |
|||
|
المصدر: جريدة الصريح 1سبتمبر 2008 |
|
||||
|
"حيرة المسلمة" وما أثاره من جدل في صالون "الصريح" الخطاب الديني يبقى في المحصلة خطابا عن الدين وليس الدين. بقلم: علي بن نصيب
لا أعتقد أن كتابا تونسيا شغل الناس في الآونة الأخيرة حتى نفذت طبعته الأولى في أسابيع قليلة مثل كتاب "حيرة مسلمة" لألفة يوسف. الثقافة التونسية تشهد دون ريب أزمة مطالعة وحالة عزوف بين عن الكتاب فكيف وجدت الحيرة طريقها إلى النجاح؟ لا جدال في أن من أسباب ذلك هو ما أثاره الكتاب من سجالات حادة بين منتصر ومنتقد كان أبرزه في صالون جريدة "الصريح". كان الأمر مغامرة في البداية لكل متابع. من سيهتم بمقالات مطولة عن كتاب يناقش أمورا لا تبدو متاحة للجميع فهما ووقوفا على معانيها وأبعادها النخبوية؟ كيف سيتفاعل الجمهور الواسع مع موضوع يراه البعض ترفا فكريا يأخذ مساحة يمكن أن تخصص لأشياء أخرى أكثر نفعا وفائدة للناس في نظره؟ ما وجده السجال حول حيرة المسلمة من إقبال واهتمام في الجريدة عكس الإقبال المكثف على اقتناء الكتاب اظهر أن الثقافي في نظر مجتمع بلغ من الحداثة مبلغا جديرا بالاحترام هو في أساسه كل فعل بناء يولد المعرفة. اظهر أيضا خصوصية المقاربة التونسية للهوية العربية الإسلامية وللمقدس تحديدا. لو قارنا السجال حول الحيرة بالسجال حول "إمرأتنا في الشريعة و المجتمع" لشاهدنا المسافة التي قطعتها تونس للتخلص من النظرة المحافظة بالمعنى التقليدي ولو قارناه بما يحدث في مجتمعات أخرى يأخذ فيه السجال مناح تكفيرية رافضة منددة بكل خروج عن النص لحق لنا الاعتزاز بخصوصيتنا ولكان ذلك ادعى لنكون في حالة استنفار لحمايتها من النكوص ومحاولات قوى التطرف والانغلاق اختراق أجهزة مناعتنا الحداثية. لا أريد الخوض في مضمون الكتاب وان كنت اعتقد أن ألفة يوسف واعرف شخصيا اجتهادها المعرفي الواسع مدعوة إلى إعادة قراءة الكتاب في ضوء ما أثاره من جدل وانطلاقا من التركيز على البعد البراغماتي أي القيمة التداولية للنص الديني التي تختزل أحيانا في مفهوم الصلوحية لكل زمان ومكان. فهي إن كانت عند البعض نتيجة تعاليه عن الزماني وعند البعض الآخر ثمرة ديناميكيته التاريخية ورفضه كل أشكال الكهنتة والتحنط ٬ فالراهن اليوم أن تكون مبحثا يربي في الأجيال الجديدة ذائقة الاجتهاد وملكته في مواجهة محاولات الأسطرة والتقديس الوهمي لان الخطاب الديني في جوهره ومهما ادعى القداسة يبقى خطابا بشريا يتفاعل مع المقدس والمنزل والسماوي ولا يمكن أن يحتويه بأي شكل من الأشكال. القيمة التداولية تدفعنا إلى التساؤل عن حاجة الشاب العاطل عن العمل إلى جدال حول "نكاح اليد". ألا يقحم ذلك الدين أكثر فأكثر في حياتنا الخاصة بشكل يسوغ للبعض اعتبار الحياة الزمنية فسحة بين موتين هما جوهر الحياة؟ القيمة التداولية ربما تدفعنا إلى التساؤل عن مغزى التقاء الأديان في عصرنا في نفس الحروب تقريبا باسم الأخلاق. هل يعني ذلك أنها قلعتها الاخيرة بعد انسحابها من قلعتي العلم والسياسة؟ هل يمكن أن يؤسس ذلك لتحالف بينهما وحوار ونحن نرى الشيخ المعمم يقف من "الواقي" نفس موقف بابا الفاتيكان؟ أعود إلى السجال لأني اعتبره مشغلا طريفا يستحق المزيد من التحليل المعمق بالنظر إلى تراجعه في ثقافتنا المعاصرة لتحل محله النزاعات الشخصية والنزعات الإقصائية او الاستقالة الفكرية. فقد كنا أمام ظاهرة طريفة يمكن أن تؤسس تقليدا جديدا في التعامل مع الكتاب في وسائل الاعلام ينقذه من صمت الرفوف وبرودتها وتعطيه أجنحة يحلق بها بين الناس. كنا إزاء حيرة مسلمة من أسئلة عالقة ومن حيرة مسلم من حيرة المسلمة ومن حيرة مسلم من حيرته من حيرة المسلمة. زوايا نظر ثلاث الجامع بينها هو الانتماء لنفس المنظومة الثقافية الحضارية. فهي بذلك وجه من وجوه المخاض الحداثي المتواصل في تفاعل ايجابي بين مكونات عقلنا المعرفي وامتداداته. هي في نظره مسلمة تشجع على الشذوذ الجنسي لم يصادر حقها في الاجتهاد والقراءة والتأويل ولكنه يضعها أمام مسؤولية مجتمعية لكأنه يعترف لها بشرعية الحيرة ويسعى لحرمانها من شرعية الأخلاق. هو في نظره منحاز لنظرة ثبوتية ماضوية و يجعلها أصلا لفرع يجاهد ليكتسب شرعية معرفية تعصمه من البناء عللا أرض محروقة. وهي تعلم حق العلم أنها تكتب لتفجر أسئلة تشجع على نظرة أخرى للإسلام في التاريخ. وحين تكتب عن المرأة والأمور الحميمة فهي بذلك تستفز معمارا جامدا يتمعش أصحابه من طبقات الغبار التي تراكمت عليه وحالت دون رؤيته بعين العقل. السجال وضع الكتاب في سياقه الصحيح وسلط الضوء على حاجة القارئ التونسي إلى ترسخ هذا التقليد في مواجهة طوفان الأفكار المتطرفة والفتاوى المثيرة للقرف المعرفي وحالة الاستسلام التي تميز أداء بعض النخب المستلبة. لم أرد تقديم موقف ولكني حاولت التقاط لحظة ديناميكية ثقافية يمكن التأسيس عليها وإثراؤها وتطعيمها بالآراء النقدية الجادة التي تؤكد كم نحن مدينون لنظامنا الجمهوري الذي لم يكن نظاما شكليا بل مجتمعا جديدا. وكم نحن مدينون للرجل الذي وقف أمام الجميع حين نبه إلى الفرق بين الاسلام وتسييس الاسلام وحين اعتبر حداثة المرأة دعامة هذا النظام. أليست حرية المرأة في نظر المتطرفين أكبر خطر يهدد مشروعهم المجتمعي. الحرية حركة واجتهاد وتفاعل مع التاريخ أما التطرف فجمود وسكون وموت سريري. شكرا لألفة يوسف على حيرتها وشكرا لصالون الصريح على تفاعله معها في انتظار المزيد من الحيرة البناءة. المزيد. المزيد |
|||||
|
|
|||||