الإعلام العربي: أي دور له في الإصلاح
الديمقراطي؟
بقلم: علي بن نصيب
الوطن العربي غير معزول عن التحولات العالمية التي عقبت سقوط جدار برلين وهبوب رياح
الإصلاح الديمقراطي والتحديث الشامل للنظام السياسي العربي التى تعود منذ الخمسينات
على ثقافة تضيق فيها هوامش المشاركة ويختزل فيها مفهوم المعارضة فى بعد واحد هو
خيانة النظام وتهديد أمنه.
هذا الوطن بات منذ عقدين في مواجهة الاستحقاق الديمقراطي في ظل إشكاليات عديدة بقى
أغلبها في طور المخاض الصعب على غرار التداول على السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم
والفصل بين السلطات واحترام التعددية وحق كل الفعاليات فى التعبير الحر والتنظيم
ومشاركة المرأة.
المسألة قد تطرح من زاوية شمولية المقاربة الإصلاحية وجديتها وأيضا بتدخل عوامل
أخرى أهمها احتداد مسألة العنف السياسي وتنامى ظاهرة الأصولية المعادية لفكرة
الديمقراطية والرافعة لشعار أسلمتها للوصول إلى الحكم.
التدخل الأجنبي لا يقل أهمية عن العاملين السابقين ويضاف، أيضا، مدى قابلية
المجتمعات العربية لفكرة التطوير فى ضوء استفحال العصبيات القبلية والعرقية وحدة
التناقضات الثقافية داخل الكيان السياسي الواحد.
ذلك ما يفسر تفاوت التجارب من دولة لأخرى وقدره دول معينة على حسم أسئلة عديدة
وارساء منظومات تحديثية ذات نسق تطوري.
وفى تعارض مع حالة الشد إلى الوراء، تنامى الوعي الديمقراطي في الشارع العربي بفضل
عوامل عديدة أهمها على الإطلاق ظهور الفضائيات التى لعبت دون شك منذ أواسط
التسعينات دورا محوريا فى تعميق هذه المسائل وإتاحة هوامش أوسع لمناقشتها من
مرجعيات مختلفة وخارج أسوار التابوهات.
الفضائيات أعطت الصوت الآخر المختلف إمكانية الحضور وشرعية الوجود وتحدى حالة
الانكماش التى كانت الميسم الذى طبع الاعلام الرسمي بمنطق الحمائية المعقولة وبمنطق
الإفراط
فى تضييق هوامش الإزعاج والمخاطرة.
أصبح للصوت الآخر حضوره وموقفه ودوره في تنويع المشهد السياسي العربى وإعطائه
ديناميكية أكبر لم تكن متاحة له مع غلبة اللون الواحد والصوت الواحد وثقافة تخوين
المختلف وإقصائه.
وهو ما يجعلها في المحصلة ظاهرة ايجابية أنقذت النظام السياسي العربي من الترهل حين
أوجدت مجالا رحبا للحوار والمشاركة بعيدا عن لعبة العنف والعمل السري.
فقد هيأت سبل الحوار وجسر الهوة الفاصلة بين المتخالفين لتمنح المشاهد فرصة
الاختبار والتقييم والموازنة.
لا يمكن من هذا المنطلق أن نهمل دور الفضائيات فى دفع مسألة الخطاب السياسي إلى
صدارة الاهتمام بحثا من كل طرف عن السبل الناجعة التي تضمن له مواكبة الديناميكية
الإعلامية الفضائية بعد فشل كل محاولات التطويق أو التجاهل.
هذا اللون الوردي لظاهرة الفضائيات العربية لا يجب أن يخفى عنا أمورا تؤثر سلبا فى
قدرتها على المساهمة بجدية أكبر في تدعيم إمكانيات الإصلاح الديمقراطي فى العالم
العرب ونشر ثقافة الحوار والتفاهم والوفاق، أساس أي بناء تعددي يصمد أمام الفوضى
والمخاطر التى تعصف بعالمنا المعاصر.
ثمة أولا أسئلة عديدة تطرح حول مدى استقلالية الفضائيات وقدرتها على أداء رسالتها
الإعلامية في كنف الموضوعية والنزاهة سواء كان ذلك من جهة التمويل حيث تبين ارتباط
الأغلبية الغالية بأنظمة معينة أو من جهة التبعية الإدارية والسياسية حيث أثبتت
التجارب أن أكثر الفضائيات استقلالية تتحول بقدرة قادر إلى أداة في إطار معادلة
توازن الرعب بين الأنظمة المتنافسة.
الموضوع الثاني، ولا يقل أهمية عن الأول، هو مدى وعى بعض الإعلاميين بالفرق بين
رسالتهم الإعلامية ومواقفهم السياسية فكثيرا ما يتحول "النجم الفضائي" إلى "مناضل"
سياسى يعمل وفق أجندة إيديولوجية أو حزبية..
المسألة قد تطرح من زاوية الحرفية والمهنية ولكنها أكثر تشعبا
وتعقدا وتداخلا.
سلوك بعض الفضائيات فى مواضيع معينة أو إزاء دول معينة يوحى بأن الهاجس الإعلامي
"الصرف" هو آخر ما يمكن النظر إليه بتأمل حملات منظمة أو إتاحة فرص كبيرة لرأى موجه
في غياب متعمد لآراء أخرى.
قد يحتج مجادل بأن "الانحياز" للطرف الأضعف فى المعادلة السياسية يدخل فى باب
التميز الايجابي، وهنا تكمن المغالطة لأننا ننتقل من طور نقل الخبر أو صناعته إلى
طور لا علاقة له بالعملية الإعلامية وهو فبركة الخبر.
صناعة الخبر أي تحويل الحدث إلى حالة إعلامية أمر عادى ولكن فبركة الخبر ترجع
بالفضائيات القهقرى إلى عصر الاعلام الموجه الذى سمم العلاقات العربية - العربية
بالشتائم والأحقاد والاختلافات والتوظيف المجاني.
صحيح أن الحياد الإعلامي أكذوبة وشعار براق لا مجال لتصديقه، ولكن التوظيف الإعلامي
يفقد العملية الإعلامية جديتها ويضعف دورها البناء.
هل يمكن أن تساهم بعض الفضائيات فى نشر ثقافة المشاركة وهى تمارس الاحتكار والإقصاء
والانحياز غير المبرر؟.
هل يمكن أن تساهم تلك الفضائيات فى توسيع مجال الحوار في حياتنا حين تنشر ثقافة
التشنج والصراخ والخطاب ألعدمي وتروج الشعارات الغوغائية وتظهر الانتهازيين
والمفلسين وكأنهم أصحاب بدائل وبرامج؟.
كم من فضائية تورطت في نقل خبر تبين فيما بعد أنه خبر مفتعل!
هل تدرك هذه الفضائيات أنها تخسر مصداقيتها بهذا السلوك؟
لا أعتقد أن هذه المظاهر السلبية تخدم الرسالة الإعلامية النبيلة أو تساعد على
الدفع فى اتجاه تعزيز مسارات الحرية والتعددية والديمقراطية؟.
لا أعتقد أن هذا السلوك الاعلامي العقيم والمفلس قادر على تقديم الفائدة وخدمة
المواطن العربى والنهوض بالإعلام وتعزيز دوره الرقابي وتأثيره.
المساهمة في التحديث السياسي لا تكون بالشعارات والحملات المشبوهة وإثارة الأحقاد
والنعرات والتحالف مع طرف على حساب طرف آخر لأن ذلك يستنزف رصيد تلك الفضائيات من
الموضوعية والنزاهة والثقة المتبادلة مع الجمهور ويجعلها مجرد طرف يحمل قناع الحياد
الزائف.
سؤال قد يكون مدخلا لقراءة نقدية ومراجعة جذرية قد يشجعنا على المطالبة بها اعتذار
البعض لإسرائيل عن استضافة أسير عربي محرر باعتباره خطأ مهنيا جسيما وما أكثر
الأخطاء في حياة فضائياتنا وما أقل الاعتذارات للأسف الشديد طبعا!!